ابن أبي الحديد

134

شرح نهج البلاغة

في جميع أموره ، حتى قال ( فلما شارف الظفر وافق على التحكيم ، ومالك في التحكيم والحق في يديك ، لا أبا لك ! ) . قال أبو العباس المبرد : هي ( 1 ) كلمة فيها جفاء وخشونة ، كانت الاعراب تستعملها فيمن يستعظمون أمره ، قال : ولما أنشد سليمان بن عبد الملك قول بعض الاعراب : رب العباد ما لنا وما لكا * قد كنت تسقينا فما بدا لكا * أنزل علينا الغيث لا أبا لكا * قال : أشهد أنه لا أب له ولا صاحبة ولا ولد ، فأخرجها أحسن مخرج . ثم قال عليه السلام : ( كيلا بغير ثمن لو كان له وعاء ) ، انتصب ( كيلا ) لأنه مصدر في موضع الحال ، ويمكن أن ينتصب على التمييز ، كقولهم : لله دره فارسا ! يقول : أنا أكيل لكم العلم والحكمة كيلا ولا أطلب لذلك ثمنا . لو وجدت وعاء ! أي حاملا للعلم ، وهذا مثل قوله عليه السلام : ها إن بين جنبي علما جما لو أجد له حملة . ثم ختم الفصل بقوله تعالى : ( ولتعلمن نبأه بعد حين ) ، وهو أحسن ما ختم هذا الكلام به [ خطبة على بعد يوم النهروان ] وروى المدائني في كتاب ( صفين ) ، قال : خطب علي عليه السلام بعد انقضاء أمر النهروان ، فذكر طرفا من الملاحم ، قال : إذا كثرت فيكم الأخلاط ، واستولت الأنباط ، دنا خراب العراق ، ذاك إذا بنيت مدينة ذات أثل وأنهار . فإذا غلت فيها الأسعار ، وشيد فيها البنيان ، وحكم فيها الفساق ، واشتد البلاء ، وتفاخر الغوغاء ، دنا خسوف البيداء ، وطاب الهرب والجلاء . وستكون قبل الجلاء أمور يشيب منها الصغير ، ويعطب الكبير ، ويخرس الفصيح

--> ( 1 ) الكامل ص 562 ( طبع أوروبا ) .